fbpx

سلسلة مراجعات: kamo

لا أخفيكم سرا أنني حينما أعلم أن فيديا بالان ستمثل في فيلم ما فإن الحماس يشتعل بداخلي كاشتعال النار في الهشيم، فهي ثاني أفضل ممثلة عندي بعد راني موخيرجي و ذلك لإتقانها المبهر للأدوار المركبة و لموهبتها المميزة و تعابير وجهها المعبرة.هذه المرة نحن على موعد مع إنتاج جديد ألا و هو فيلم shakuntala devi الذي يتمحور على سيرة ذاتية لعالمة رياضيات هندية مشهورة، كانت تلقب “بالكمبيوتر البشري”. من الجيد أن تستمر بوليوود في إنتاج أفلام لها علاقة بالواقع كالسير الذاتية التي تحفز الناس على الاقتداء بالعظماء و الأشخاض المؤثرين لكن هل كان هذا الفيلم الذي نحن بصدده مجرد سيرة ذاتية كغيره من أفلام هذا الصنف؟ هذا ما سنراه في هذه المقالة النقدية. – shakuntala devi غوص في مشاعر امرأة عبقرية:  قصة هذا الفيلم تدور حول امرأة عبقرية قي مجال الحساب الذهني، و هذه الموهبة كانت فطرية ولدت معها دون اكتساب. حيث كانت فقيرة و ساخطة على معيشتها التي تفتقر لأدنى مقومات الحياة الكريمة إلى أن يكتشف والدها موهبتها الفذة فتصير بذلك مصدر رزق للأسرة عن طريق العروض التي كانت تقوم بها في كل أرجاء المدينة، لكنها كانت مستاءة من تسلط والدها و حرمانه إياها من إكمال دراستها بشكل طبيعي، كما لم تستسغ خضوع أمها المذل لإرادة والدها.بعد ذلك تنتقل للعيش في بريطانيا و تتفجر موهبتها كما أن العروض التي ستقوم بها هناك ستجعلها مشهورة جدا و فاحشة الثراء.تتزوج شاكونتالا من رجل هندي يعيش في كالكوتا و تنجب بنتا، و هنا تبدأ معاناة من نوع آخر بحيث تجد شاكونتلا نفسها مشتتة و حائرة بين واجب الأمومة و عملها الذي يجلب لها الأضواء و الأموال فقد صارت تدعى ” بالكمبيوتر البشري” .و للأسف تختار شاكونتلا مهنتها على ابنتها التي لم تعش حياة طبيعية و كانت كثيرة التنقل بين مدن العالم لكنها لم تحس بأي استقرار، تحدث الكثير من المناقشات و الصراعات بينها و بين أمها و التي تسفر عن كراهية البنت لوالدتها كونها لا تؤدي واجب الأمومة لتشن بذلك حربا عليها.هذه هي القصة باختصار لكي لا نحرق الأحداث على من لم يشاهد، سيناريو هذا الفيلم حمل نوعا من التجديد فأفلام السيرة الذاتية تكون في الغالب مركزة على طريق الشخصية الرئيسية للوصول إلى المجد، لكن هنا ناقش قضية الأمومة من جانب مختلف و هذا ما أغنى السيناريو بأحاسيس قوية تجعلك تحار هل تتعاطف مع الأم التي تحاربها ابنتها؟ أم مع البنت التي عاشت طفولة ضائعة في مسيرة أمها المهنية التي طغت على حياتها؟ هذه الحيرة العاطفية تبرز لك ما مدى التركيب الذي صاغه السيناريو للشخصيات فهذه الأخيرة ليست لها وجه واحد بل أوجه متعددة يكشفها لك الفيلم شيئا فشيئا مع تتابع الأحداث.كما أن الفيلم كان غنيا بالثيمات المتعددة نذكر منها:- ثيمة الكره: و التي تتجلى في موقف شاكونتلا من أمها التي كانت خاضعة لزوجها في كل شيء، كما يتجلى في موقف مشابه تقريبا لموقفها حينما كرهتها ابنتها بسبب تفريطها في واجبها و هناك الكثير من النماذج أيضا …- ثيمة الحب : و تظهر بشكل واضح في حبها لزوجها في بادئ الأمر و في حب الرجل الإسباني لها قبل زواجها كما تظهر في حب ابنتها لزوجها و لأبيها .- ثيمة الندم: و تبرز بشكل جلي في ندم شاكونتالا على كرهها القديم لأمها و أيضا ابنة شاكونتالا حين تندم في النهاية عن كرهها لأمها أيضا.المميز في هذا النص هو أن تلك الثيمات كانت تتقلب داخل الشخصيات التي كانت تتجلى فيها، و أقصد هنا التحولات العاطفية في هذا الفيلم فتجد بعض الشخصيات تنقلب من حالة الكره لحالة الحب و العكس صحيح، و هذا يدل كما أشرنا قبل قليل للتركيب الذي ميز الشخصيات في هذا الفيلم.نأتي الآن للأفكار التي احتواها السيناريو و هنا نلاحظ أن الفيلم بدأ بنقد للأوضاع التي كانت في الهند و مازالت في الكثير من القرى مثل عدم تمدرس الفتيات و تهميشهن في المجمتع … و قد كانت فكرة الأمومة هي المسيطرة على السيناريو و هنا يجدر بنا التأكيد على أن الفيلم نظر للأمومة بمنظور ليبرالي لكنه واقعي فقد أبرز السلبي و الإيجابي في علاقة شاكونتالا المرأة التي أصابها نوع من جنون العظمة بابنتها التي تريد حياة طبيعية و أما تقوم بواجبها تجاهها، و هنا يظهر لنا بشكل واضح كيف أن شاكونتالا أصبحت امرأة أنانية و لا تهتم إلا بمصلحتها الشخصية خصوصا لما أصدرت كتابا عن الشذوذ الجنسي و اتهمت زوجها أنه كان شاذ و هنا انهارت ابنتها و علمت أن أمها لا تبحث إلا على الشهرة ولو على حساب أسرتها، و هذا في رأيي نوع من النقد الذي ربما لم يقصده المخرج لكن نصه ورطه فيه للنسوية و كيف أنها تصير تقديسا للمرأة و فصلا لها عن مجمتعها و عن عائلتها و جذورها فشاكونتالا التي كانت ناقمة على والدها المتسلط صارت مثله بطريقة مختلفة حين انعزلت في عالمها الخاص و أغلقت باب الأنانية عليها تاركة ابنتها تعاني وحيدة.                     لكن المخرج كأنه عاد في النهاية ليقحم رأيا كان معاكسا بنظري لأحداث الفيلم بحيث أراد اقناعنا عن طريق تصالح البنت مع أمها أن الأم يجب أن تكون امرأة أيضا أي لا بأس أن تمارس الأمومة بجانب الاهتمام بمشوارها المهني، لكن هذا التوجيه بالنسبة لي كان خللا في السيناريو لأنه كان معاكسا لأحداث الفيلم الذي كان يبرز مشكلة التركيز على الحياة المهنية على حساب الأمومة فلماذا يجعلنا نحس في النهاية كأن شاكونتالا كانت تغلب جانب الأمومة على مشوارها المهني و أنها تحتاج أن تهتم له و تحدث نوعا من التوازن؟ عموما رغم هذه الخطأ إلا أن السيناريو كان ممتازا و ان لم يكن متكاملا.
 – الحوارات: 
لقد كانت الحوارات في هذا الفيلم لا بأس بها، لكنها كانت لتكون أفضل مما كانت بكثير، ففي كثير من الأحيان تظهر متصنعة و لا تلائم سيرورة الأحداث، فعلى سبيل المثال و في بداية الفيلم أظهروا لنا شاكونتالا و هي صغيرة تتجادل مع أبيها بحوار تدافع فيه عن حقوق المرأة و تثور فيه على الأوضاع المجتمعية ! بالله عليكم كيف لفتاة صغيرة أن تقول حوارا مثل هذا ؟!!كذلك في كثير من اللحظات المهمة يغيب الحوار العميق و المؤثر و كأن المخرج اتكأ في هذا الفيلم على القصة الجميلة و الأداء المميز من فيديا بالان.
 – التشخيص:  بصراحة هذا الفيلم كان فيلم فيديا بالان التي لن أتحدث عنها كثيرا فتأديتها لأدوار شديدة التركيب في مسيرتها تجعلها تؤدي هذا الدور بكل انسيابية و يسر فقد كانت ممتازة بتعابير وجهها التي تعبر عن معان عدة حتى لو لم تنطق.باقي الممثلين كان أداؤهم يتراوح بين العادي و الجيد لكن لم يتمكن أحد من مجاراة فيديا بالان في تشخيصها لدور شاكونتالا.
– تقنية السرد:  بدأ الفيلم بداية ممتازة بحيث خالف فيه المخرج تقنية التسلسل الطبيعي بداية بالسبب و نهاية بالتأثير الذي سببه السبب، بل إنه بدأ بابنة شاكونتالا و هي ترفع دعوة ضد أمها و هذه البداية تعصف بذهن المشاهد  و تجعله يطرح الكثير من الأسئلة كيف لابنة أن تجرم أمها؟ و ما الدافع لهذا؟ هذه الأسئلة تجيب عنها أحداث الفيلم بتقنية الفلاش باك التي تكسر الزمن الطبيعي و الواقعي في عالم السينما و هذا الفيلم استخدم هذه التقنية كثيرا فقد كان يعود للحاضر ثم بعد هنيهة يرجع لماض معين يساعد على فهم حدث معين في الحاضر، فقد تم خلط الكثير من الأزمنة في هذا الفيلم مما أعطى سرعة و انسيابية كبيرة في الأحداث.كما أن فيديا بالان لم تكن وحدها من تكشف لنا عن تشكل الأحداث أو تذكرها بالفلاش باك، فقد شاركتها ابنتها في هذا مما أعطى للمشاهد تنوعا في العواطف فحين تسرد البنت مثلا تحس بتعاطف معها و كره لشاكونتالا، لكن حين تنتقل الكاميرا للتركيز عن شاكونتالا و متواليتها السردية تحس بتعاطف معها هي الأخرى لتجد نفسك في دوامة سردية و درامية ساهم فيها الإخراج المتميز لهذا الفيلم، و لا ننسى أيضا السينموغرافي المميز الذي حظي به هذا الفيم.وكذلك تحركات الكاميرا  و تركيزها على تعابير وجه الممثلين. – الموسيقى :  موسيقى هذا الفيلم كانت جيدة لكنها لم ترتقي لمستوى الأحاسيس التي عبرت عنها شخصيات هذا العمل السينمائي، و هنا أنا لا أتكلم فقط عن الأغاني بل أيضا عن الموسيقى التصويرية التي كانت لتزيد من الآثار التي تخلفها الأحداث على المشاهد.
 عموما أظن أن هذا الفيلم كان مميزا و خرج نوعا ما عن المألوف و ان كنت أظن أن بعض الأمور كانت لتزيد من تميزه و  روعته.و في الختام أؤكد مرة أخرى على أن هذا الكلام لا يعبر إلا عن رأي صاحبه و ليس من الحقائق القطعية.